أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

122

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وأنّ اللام هي الآخر في الحقيقة فلذلك عوملت معاملة الآخر حقيقة فضمّت قبل واو الضمير وكسرت قبل يائه كما ترى ، ويدلّ على ما قلته أنهم قالوا في « لم أبله » : إنّ الأصل : « أبالي » لأنه مضارع بالى ، فلمّا دخل الجازم حذفوا له حرف العلة على القاعدة ثم تناسوا ذلك الحرف فسكّنوا للجازم اللام لأنها كالأخير حقيقة ، فلما سكنت اللام التقى ساكنان : هي والألف قبلها فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ، وهذا التعليل أولى لأنه يعمّ هذه القراءة والبيت المذكور ، وعلى مقتضى تعليله هو يقال : الأصل : تعاليي ، فاستثقلت الكسرة على الياء ، فنقلت إلى اللام بعد سلبها حركتها ، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين . وتعال : فعل صريح وليس باسم فعل لاتصال الضمائر المرفوعة البارزة به . قيل : وأصله طلب الإقبال من مكان مرتفع تفاؤلا بذلك ، وإدناء للمدعوّ ، لأنه من العلو والرفعة ، ثم توسّع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجيء ، حتى يقال ذلك لمن يريد إهانته كقولك للعدوّ : تعال ، ولمن لا يعقل كالبهائم ونحوها ، وقيل : هو الدعاء لمكان مرتفع ، ثم توسّع فيه حتى استعمل في طلب الإقبال إلى كل مكان حتى المنخفض . و نَدْعُ جزم على جواب الأمر إذ يصحّ أن يقال : إن تتعالوا ندع . قوله : ثُمَّ نَبْتَهِلْ أتى بثم هنا تنبيها لهم على خطابهم في مباهلته ، كأنه يقول لهم : لا تعجلوا وتأنّوا لعله أن يظهر لكم الحق ، فلذلك أتى بحرف التراخي . والابتهال : افتعال من البهلة ، والبهلة بفتح الباء وضمها ، وهي اللعنة ، قال الزمخشري : « ثم نتباهل بأن نقول : لعنة اللّه على الكاذب منا ومنكم ، والبهلة بالفتح والضم : اللعنة ، وبهله اللّه : لعنه اللّه وأبعده من رحمته ، من قولك : أبهله إذا أهمله ، وناقة باهل : لا صرار عليها ، وأصل الابتهال هذا ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا » قلت : ما أحسن ما جعل الافتعال هنا بمعنى التفاعل ، لأن المعنى لا يجيء إلا على ذلك ، وتفاعل وافتعل أخوان في مواضع نحو : اجتوروا وتجاوروا ، واشتوروا وتشاوروا ، ولذلك صحّت واو اجتور واشتور ، وقوله : « وإن لم يكن التعانا » يعني أنه اشتهر في اللغة : فلان يبتهل إلى اللّه في قضاء حاجته ، ويبتهل في كشف كربته . وقال الراغب : « أصل البهل : كون الشيء غير مراعى . والباهل : البعير المخلّى عن قيده أو عن سمة ، أو المخلّى ضرعها عن صرار » ، وأنشد لامرأة : « أتيتك باهلا غير ذات صرار » « 1 » . وأبهلت فلانا : خلّيته وإرادته ، تشبيها بالبعير الباهل ، والبهل والابتهال في الدعاء : الاسترسال فيه والتضرع نحو : ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ « 2 » ، ومن فسّر الابتهال باللّعن فلأجل أنّ الاسترسال في هذا المكان لأجل اللعن ، قال الشاعر : 1320 - . . . * نظر الدهر إليهم فابتهل قلت : هذا الشطر للبيد ، وأول البيت : 1321 - من قروم سادة في قومهم * نظر الدّهر إليهم فابتهل « 3 »

--> ( 1 ) ذكره الراغب في مفرداته قال : قالت امرأة : أتيتك باهلا غير ذات صرار . وقال : أي أبحث لك جميع ما كنت أملكه لم أستأثر بشيء دونه . انظر المفردات ( 82 ) ، ( بهل ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 61 ) . ( 3 ) انظر ديوان لبيد ( 197 ) .